كان عامل النظافة يجوب منطقة المكاتب الإدارية مؤديا عمله وتعابير وجهه تشير إلى أن هناك شيئا ما ليس على مايرام، في هذه اللحظات مررت بجواره - هذه المرة لم أكن واعياً كما ينبغي - طلبت منه بلطف ( كان علي أن لا أطلب ابتداءاً ) أن يقوم بتنظيف دورة المياه داخل المكتب ، لكن ردة فعله تؤكد أنه بالتأكيد هناك شيء ليس على مايرام ،
( لقد طلب مني المشرف ألا أدخل داخل المكاتب الإدارية ولا أقربه بتاتاً) هكذا كان رده بكل سرعة !
لكني تداركت قلة وعيي ، فانتهزت الفرصة لأعيد ترتيب الأوراق كما ينبغي، قلت له بكل هدوء مع ابتسامة عريضة : حسناً سأطلب منه أن يبلغكم بذلك، عفواً ما اسم المشرف ؟
اسمه طارق ، أجاب بسرعة ونبرة صوته تقول : دعني وشأني الآن .
توجهت للمشرف موضحاً له ما أريد ، دون أن أشير له لما حصل . أجابني : مرحباً ، حسناً سأرسل أحدهم هناك .
بعد دقائق أحضر أحدهم وقام بتنفيذ المهمة على أكمل وجه ، وانصرف .
حسناً ، ما الجديد في هذا الموقف :) حتى هذه اللحظة يبدو أن الموقف طبيعياً جداً ، بل مواقف كهذه تتكر بشكل لولبي في حياتنا .
بعد ساعات من هذا الموقف ، وبعد أن نسيت تماماً ما حدث ، وأنا في طريقي من الطابق العلوي عائداً إلى المكتب ، صادفت عامل النظافة الأول والذي بدى أنه مستاء جداً من شيء ما لا أدري ما هو ، شاهدني وقابلني بوجه مختلف تماماً ، بادرني بالسلام سألني بكل اهتمام : أين هو المكان الذي تريد تنظيفه (وهو مبتسم) ! ، شكرته وأخبرته بأن أحد زملائه قام بالمهمة ، فابتسم وانصرف وانصرفت.
بعد هذا الموقف الأخير بلحظات، شاهدته مرة أخرى عند صالة الطعام وهو يحضر (الشاهي) وأنا كنت قاصداً أيضاً نفس المهمة، ثم بادرني بابتسامة أخرى ترسل رسالة توكيدية لمحو الموقف السابق وتقديره لتقديري وفهمي لحالته ذاك الوقت : دعني أحضر لك معي كوباً من الشاهي !
بادلته الابتسامة وشكرته قائلاً : سأقوم بتحضيره بنفسي ، فانصرف بعد أن قام بإجراء الفحوصات الأخيرة لرشفة الشاهي (كالمعتاد) للتأكد من ما إذا كان مستوى السكر منخفض أم مرتفع :) وبعد التأكد انصرف وهو على يقين بأن كل شيء على مايرام .
هكذا مضى يوم العمل كاملاً بالرضى والسعادة والابتسامة، لقد كان ثمة منعطف واحد من شأنه أن يغير مجرى اليوم كله، إنه ذلك الموقف الأول .. لو لم أتدارك حالته المزاجية حينها، وتركته وشأنه مع ابتسامة لطيفة كانت سبباً في تغيير الموقف، ولو كنت استجبت للموقف بردة فعل مشابهة لكانت مجريات القصة مختلفة تماماً، فقط الابتسامة وحدها غيرت المجرى .
كثيرة هي تلك المواقف المشابهة لهذه القصة في حياتنا اليومية، فقط علينا أن نحسن إدارة الأزمة بحكمة، وسيتغير كل شيء للأفضل.

تعليقات
إرسال تعليق